ابن أبي الحديد
162
شرح نهج البلاغة
مقدار ألف وأربعمائة سنة ، فتحلل بتلك النار تلك الأجزاء المنعقدة من النور ، الممتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس والقمر عن استقصائها ، فيرتفع إلى عالم الأنوار ، ويبطل العالم حينئذ ، ويعود النور كله إلى حاله الأولى قبل الامتزاج ، فكذلك الظلمة . القول الخامس : قول متكلمي الاسلام : وهو على وجوه : أولها : قول جمهور أصحابنا إن الله تعالى إنما خلق العالم للإحسان إليهم والانعام على الحيوان ، لان خلقه حيا نعمة عليه ، لان حقيقة النعمة موجودة فيه ، وذلك أن النعمة هي المنفعة المفعولة للإحسان ، ووجود الجسم حيا منفعة مفعولة للإحسان ، أما بيان كون ذلك منفعة فلان المنفعة هي اللذة والسرور ودفع المضار المخوفة ، وما أدى إلى ذلك وصححه ، ألا ترى أن من أشرف على أن يهوى من جبل ، فمنعه بعض الناس من ذلك ، فإنه يكون منعما عليه ، ومن سر غيره بأمر ، وأوصل إليه لذة ، يكون قد أنعم عليه ، ومن دفع إلى غيره مالا يكون قد أنعم عليه ، لأنه قد مكنه بدفعه إليه من الانتفاع ، وصححه له ، ولا ريب أن وجودنا أحياء يصحح لنا اللذات ، ويمكننا منها ، لأنا لو لم نكن أحياء لم يصح ذلك فينا . قالوا : وإنما قلنا إن هذه المنفعة مفعولة للإحسان ، لأنها إما أن تكون مفعولة لا لغرض أو لغرض ، والأول باطل ، لان ما يفعل لا لغرض عبث ، والبارئ سبحانه لا يصح أن تكون أفعاله عبثا ، لأنه حكيم . وأما الثاني ، فإما أن يكون ذلك الغرض عائدا عليه سبحانه بنفع أو دفع ضرر ، أو يعود على غيره . والأول : باطل ، لأنه غنى لذاته ، يستحيل عليه المنافع والمضار ، ولا يجوز أن يفعله لمضرة يوصلها إلى غيره ، لان القصد إلى الاضرار بالحيوان من غير استحقاق ولا منفعة يوصل إليها بالمضرة قبيح ، تعالى الله عنه ! فثبت أنه سبحانه إنما خلق الحيوان